
فأين انت من غريب قد طالت غربته فى وطنه ، وقل حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ ...
الانفصال عن العالم الخارجى .. انفصال الأشياء .. انفصال الأفراد .. انفصال الذاتية .. انفصال الكل .. انفصال العلاقات .. انفصال الكيانات. كل هذه المعانى تنشأ نتيجة الاحتكاك والتوتر بين المنفصل أو المنعزل، والمنفصل أو المنعزل معه. قد يكون هناك انفصال بين المنفصل والمجتمع الذى نعيش فيه، أو بين المنفصل وذاته، وقد يكون هناك ايضاً انفصال بين المنفصل والأفكار السائدة نتيجة النواقص التى تشوب مجتمعه وواقعه .
بعض منا يسعى جاهدا نحو الاندماج، والخروج من بوتقة الاغتراب التى تأسره، محاولا بعبثية تامة كسر ذلك القالب الزجاجى الذى يحويه، يسعى بجهد متمرد لكسر رصانة الملل واتساق الروتين النمطى المجهد الرتيب الذى يفصله عن العالم الخارجى وهو متشبث به -رغماً عنه- منتمياً -قهراً- الى ما لا يحقق له ادنى قدر من الرضا وانما الصبر لقلة الحيلة...
فلا بأس من المحاولة ...رحلة عبثية صغيرة لا تضر.. رغبة فجائية تعتريك وانت بكامل قواك العقلية تنذرك بضرورة فقدان عقلك لبعض الوقت، عملاً بقول احدهم " من لا يفقد عقله بعض الوقت .. فلا عقل له".. تبدأ الرحلة بالتسكع قليلا فى شوارع وسط البلد ... والفرجة على المحلات، ثم الجلوس فى احد المطاعم الى تبهرك فيها الخطى المتثاقلة لحشرة "الصرصور" الوقور.. لتنحدر الى احد المقاهى البلدى التى تجمع عدد كبيرممن يطلق عليهم مثقفى وسط البلد، لينتهى بك المطاف الى قاع المتعة فتجد نفسك فى مركب نيلى تصحبه الموسيقى الصاخبة والإضاءة المزعجة والراقصات الحافيات "المحتشمات"، اللائى يتمايلن بأجسادهن ويرعشن بخصرهن بكل سفاهة وابتذال ولكن .. بكل إصرار يحافظن على حجاب شعرهن..
لعلك تشعر بلذة حقاً.. تلك المتعة التى يسوقها حماسك فى التمرد ، وفى الرغبة لان تفعل ما لا ترتضيه لتجلد ذاتك وتؤنبها لتبدلها وتعيد صياغتها بالشكل الذى ترتضيه..وقد تخلق بعض المبررات لارتضاء ما فعلته ... كأن تتحدث عن فنية ورقى تلك الرقصات الحوارية لأطفال الشوارع الذين يتمتعون بذلك الحس المرهف والابداع الفطرى فى حركاتهم، كأن تنظر الى اعينهم المليئة بالحماس والبهجة والرغبة فى الحياة رغم بساطة حياتهم وفقر امكانياتهم لتتعلم منها شيئأ، لتدرك معانى خاصة هى جزء من تكوينهم كالرضا والبساطة والقناعة، كأن تحاكى انسانيتك فى ايجاد عذر يبرر لهؤلاء الفتيات الائى فى اعمار الزهور بتمايل اغصانهن فى الطريق امام الجميع - بنية بريئة منهن - لامتاعهم فحسب او تقاضى أجراً لا يتجاوز بعض من الجنيهات فى نهاية اليوم لإعالة اسرتهن
ولعلك تتساءل... هل كا ن الأمر ممتعا حقاً؟ هل نجحت تلك المبررات فى جعلك ترتضى هذه الرحلة العبثية؟؟ .... أم انك تستدعى احساس المتعة والرضا لتتوحد معه لا شعورياً فيصبح جزءاً منك؟ غالباً هو كذلك، وخاصة مع اصحاب النفس اللوامة، فقلما ما يشعرون بالرضا عن نتائج افعالهم وبالتالى فان متعتهم مزيفة ومصطنعة، كذلك الآداء التمثيلى الركيك الذى يقومون به للتعبير عن الاندماج....انما هو فى حقيقة الأمر ... أغتراب
|